تركيا – الاتحاد الأوروبي: تململ بعد طول انتظار

عام 1999 قبلت تركيا بصفة مرشحة للعضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي وكانت قد وضعت الدول الأوروبية شروطاً عدّة على تركيا الإلتزام بها لضمان دخولها إلى الاتحاد. من بين هذه الشروط احترام حقوق الأقليات وحقوق الإنسان وإلغاء عقوبة الإعدام وكفّ يد الجيش عن التدخل في السياسة وتحسين العلاقة مع اليونان.

كان سبق هذا القبول، تدريجياً، تطور العلاقات الاقتصادية بين الجانب الأوروبي والجانب التركي، بحيث تمّ توقيع اتفاقية انضمام تركيا إلى الاتحاد الجمركي الأوروبي، واعتبرت هذه العملية دليل كبير على إمكانية الدخول الكلّي لتركيا في الاتحاد الأوروبي.

سنة 2002 حدث تغيير بالسياسة التركية ووصل إلى الحكم حزب <العدالة والتنمية>، بالفعل قامت تركيا عبر برلمانها بإقرار رزمة من الإصلاحات، فيما أشادت اللجنة الأوروبية بالتقدم الكبير الذي حققته تركيا  في عملية الإصلاح وهذا ما ورد في تقرير بروكسل سنة 2004. عام 2005 وفي شهر نوفمبر، وضع وثيقة “اطار مفاوضات” التي حدد من خلالها مسار المفاوضات ومعالمها. وبهذا كانت قد انطلقت عملية التفاوض رسمياً.

لكن بعد مرور وقت قصير وفي سنة 2006 في شكل مفاجئ، أعلن الاتحاد الأوروبي عن توقف المفاوضات مع الجانب التركي، وذلك بسبب موقف الأتراك لجهة الأزمة القبرصية التي تمّ التوصل إلى حلّ حولها سنة 2008.

خلال السنوات التي تلت، بدءاً من العام 2008، أصبح الموقف الأوروبي أكثر ضبابية، في حين حاول الأتراك توسيع دائرة إصلاحاتهم، لكنهم لم يصلوا إلى المصاف المطلوب من الأوروبيين.

في البحث في السنوات العشر الأخيرة وعلاقة تركيا بالاتحاد الأوروبي يستوقفنا مدى هذا الاهتمام التركي بالانضمام إلى الاتحاد، ولمَ كل هذا التركيز في السياسة الاقتصادية والخارجية نحو القارة الأوروبية.

عندما تمّ تأسيس تركيا الحديثة، كانت الوجهة هي الغرب، هكذا أرادها مصطفى كمال وتمّ رسم الخطوط العريضة للدولة على هذا الأساس، بقي الانضمام الكامل لأوروبا حلم يراود تركيا دولة وأفراد. وهذا ما يفسر السلوك على مدى كلّ هذه العقود.

مؤسس دولة تركيا الحديثة، مصطفى كمال اتاتورك

مصطفى كمال اتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة

واقع اقتصادي تركي يفرض نفسه

تطور معدل التضخم في تركيا

التضخم في تركيا - 1990 لغاية 2012 

تعتبر تركيا دولة القارتين الأوروبية والآسيوية، ما جعل لها موقعاً جغرافياً ممتازاً خولها أن تلعب دوراً محورياً في العالم السياسي والاقتصادي. وهي وتمثل جسراً بين الدول الأوروبية من جهة وإيران وسوريا والعراق ودول جنوب شرق آسيا من جهة أخرى.

هي دولة غنية بالموارد المائية ومناخها الجيد ساعد في تحقيق الأمن الغذائي التركي، بحيث تسعى لأن تصبح سلّة غذاء الشرق الأوسط.

هي دولة صاعدة بامتياز وقد حققت قفزات إيجابية منذ سنة 2002، وبلغة الأرقام فإن:

  • عدد السكان: يتجاوز 80 م/ن سنة 2012م.
  • الناتج المحلي الإجمالي التركي: 1.028 تريليون دولار(المرتبة 16عالمياً) سنة 2008م، وهو في نسبة نمو ما بين 5 إلى 8%.
  • تعتبر تركيا القوة الاقتصادية الخامسة أوروبياً والقوة 15 عالمياً (سنة 2013)، وهي مرشحة في المستقبل المتوسط على أن تصبح ضمن الدول العشر الكبار.
  • الدخل الفردي:10745 دولار.
  • نسبة النمو الاقتصادي من 5 إلى 7.6% خلال السنوات الأخيرة، لاسيما مع وصول حزب الحرية والعدالة إلى الحكم.
  • تعداد القوة العاملة :23.5 م/ن وهو ما يفوق عدد سكان سوريا.
  • تنتج تركيا القمح، الشعير، الزبيب، القطن، التين، اللوز، التبغ، الشاي، البندق…
  • ثرواتها: الحديد الخام، الفحم الحجري، كميات محدودة من النفط.
  • حجم التبادل التجاري بين الاتحاد الأوروبي وتركيا تبلغ أزيد من 100 مليار دولار، وتستورد تركيا أزيد من 60 مليار دولار من الاتحاد، وهي 5 دولة من حيث الاستيراد من الإتحاد الأوروبي و  من حيث التصدير.
  • أهم شريك اقتصادي ضمن الاتحاد الأوروبي هي ألمانيا، بحيث تمثل الصادرات التركية 14% من الصادرات الإجمالية نحو ألمانيا، و تستورد تركيا 17% من إجمالي الصادرات الألمانية، ثم بريطانيا حيث تتجاوز حجم نسبة التبادل التجاري 4 مليار جنيه إسترليني.
  • يعتبر القطاع السياحي التركي قطاع جد هام جاذب للعملة الصعبة (20 مليار دولار سنة 2016م)،و هي من أهم الدول السياحية في العالم، حيث يزورها مثلاً 3 ملايين سائح ألماني سنويً وملايين السياح من شمال إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وجنوب شرق آسيا و أمريكا.
  • تركيا بالنسبة للعالم: 8 عالمياً في صناعة البناء والسفن، الأولى في إنتاج المشمش، البندق، التين، 2 عالمياً في إنتاج الزجاج، 3 عالمياً في تصدير أجهزة التلفاز.
  • تركيا بالنسبة لأوروبا: الأولى في إنتاج الإسمنت، الأولى في صناعة النسيج، الأولى في صناعة الأجهزة التلفزيونية، الأولى في إنتاج الأسمدة، الأولى في تصنيع الفولاذ 1.
الاقتصاد التركي من الاسرع في العالم لجهة التطور 

الاتحاد الأوروبي يلوح بعيداً

ساهم وصول ساركوزي إلى الحكم في فرنسا وميركل فيما بعد بتجميد المفاوضات حول دخول تركيا إلى الاتحاد نوعاً ما فيما قالت المستشارة الألمانية إنّ الشراكة الممتازة مع تركيا هي قد تكون بديلاً عن العضوية الكاملة. خلال سنة 2013، فُتح مجالاً جديداً للتفاوض بين الطرفين ذلك بعد أن سحبت ألمانيا التحفظ.

إنَّ هذا التقدم بالمفاوضات قد جاء بعد قيام حكومة أردوغان الأخيرة (2014)، أدخلت حزمة جديدة على نظامها القضائي وقوانين تهدف إلى إنقاذ عملية السلام المتعثرة مع المقاتلين الأكراد.

إلّا أنّ سنة 2016 وما حملته في طياتها ضلّت بعيدة عن آمال الأتراك أنفسهم دولتاً وأفراد، حيث أن العلاقات بين الأوروبيين وتركيا ستتدرج من خلاف حول اللاجئين وعبورهم نحو أوروبا إلى المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا وما تبعها.

زاد التوتر بين الجانبين ودعا الاتحاد الأوروبي تركيا لحماية الديمقراطية البرلمانية، بما في ذلك احترام حقوق الإنسان ليعود ويصوت البرلمان الأوروبي على تعليق المفاوضات مع الجانب التركي، فيما لم يبدي الأتراك تفاجئهم، لا بل ذهبوا إلى القول بأنهم بصدد إجراء استفتاء حول الانضمام إلى الاتحاد.

وعلى هذا الأساس يدرك الأتراك تماماً أن الانخراط بالاتحاد الأوروبي فرصة لم تكن بالسهل يوماً، لكنهم أبقوا على الأمل دائماً لما في ذلك من شأنه أن يخدم مصالح تركيا الاقتصادية.

مستقبل غير متضح الملامح بعد

استطاعت أن تتغلب تركيا على الأزمة الاقتصادية التي المّت بها سنة 2000 ولا بل في سنوات قليلة أصبحت من أهم اقتصادات العالم، هي قادرة أن تعيش وتتكيف دون الاتحاد الأوروبي، وهذا ما يبدو أنه اصبح معلوماً لدى التركية بخاصةٍ بعد التضعضع النسبي الذي أصاب الاتحاد الأوروبي من خروج المملكة المتحدة منه وهيمنة اليمين في بعض من مفاصل الاتحاد وازدياد منسوب لغة الكراهية ضد الأتراك.

السؤال المطروح دائماً هو كيف سيؤثر وصول قيادات جديدة على رأس دول أوروبا على علاقة الأخيرة بالأتراك، وكذلك التطورات الجيوسياسية في المنطقة كيف لها أن تساهم في تقريب أو إبعاد وجهات النظر ما بين الطرفين.

تابعونا @ Instagram

  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image