هل يتحضر العالم لأزمة مالية جديدة؟

يكثر السؤال في الفترة الأخيرة عن مؤشرات القلق الاقتصادي التي تسيطر على العالم من أقصاه إلى أقصاه، ويدور الحديث حول أثر الخضات الحالية في مختلف أنحاء المستديرة على الأسواق المالية العالمية لدرجة أن العديد من المحللين والمتابعين يجزمون بأن العالم يتحضر لأزمة مالية جديدة قد يكون وقعها أشد قساوة من الركود الكبير الذي شهدناه في 2008.

يستند البعض في رؤيتهم هذه على التقارير الدورية التي تصدر من قبل جهات موثوقة كصندوق النقد الدولي وبنك التسويات الدولية حيث التحذير الدائم من مغبة تضخم مؤشرات الخطر الاقتصادي في العديد من الدول والتنبيه المستمر على الانعكاسات السياسات النقدية التي تنتهجها الدول المتقدمة ومعها الصين.

في هذه المقالة سنستعرض الصورة الكبيرة للأزمات المتفاقمة حول العالم والأخطار المحدقة ومدى إمكانية تأثيرها الفعلي على قيمة الأصول ورأس المال الذي يجري تناقله في الأسواق المالية العالمية:

استطاعت الصين في الأشهر الأربعة الأخيرة أن تعيد تكوين احتياطاتها من العملات الأجنبية بشكل تدريجي بعد الاستنزاف الذي تعرضت له في السنتين الأخيرتين وتدني نسبة هذا الاحتياط بما يقارب 30% بعد الأزمة الحادة التي تعرضت لها الأسواق المالية الصينية وتدخل البنك المركزي لدعم البورصة والعملة المحلية. هذا المؤشر الإيجابي يتزامن مع تراجع النمو الاقتصادي الصيني بنسبة 4% ما بين 2010 و 2016 وارتفاع مديونية الشركات الخاصة في الصين إلى ما يقارب 170% من الناتج المحلي علماً بأن جزءاً كبيراً من هذه الشركات مملوك من قبل الدولة ويعاني من تراجع في الملاءة المالية والتنظيم الإداري ولذا يعتبر المراقبون أن التدخل السيادي الذي شهدناه لمعالجة أزمة سوق الأسهم قد يتكرر ولكن بهدف إنقاذ البنية المؤسساتية للاقتصاد الصيني المتمثلة تحديداً بالقطاعين الصناعي والعقاري داخل هذا البلد. حدوث مثل هذا السيناريو من شأنه أن يعيد استنزاف الصندوق السيادي الصيني الذي لطالما اعتبرته الدول الغربية احتياطاً استراتيجياً لمؤسساتها المتعثرة واقتصاداتها المأزومة ويكفي للاستدلال على ذلك المساهمات الصينية في قطاع التجزئة الأوروبي وسيطرتها على العديد من المنافذ والموانئ البحرية في دول كاليونان وقبرص فضلاً عن الدور الكبير للصين في تمويل شراء سندات الخزينة الأمريكية.

العامل الثاني الذي يحظى باهتمام واسع في هذه الفترة ويراقبه المحللون بحذر شديد هو الرغبة المعلنة من قبل البنوك المركزية الكبرى في العودة إلى انتهاج سياسات نقدية تقليدية أي الخروج التدريجي والمدروس من برامج التحفيز الكمي وسياسات تسطيح الفوائد عند مستوى 0%. وإذا كان الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سبّاقاً كعادته إلى تنفيذ هذه التوجهات عبر رفع مستوى الفائدة الأساسية على الدولار إلى 1%، فإن ما قيل في الأسبوع الماضي أثناء اجتماع لشبونة حول تخطيط الأوروبيين والبريطانيين لإنهاء سياسات التحفيز التي أدمنت عليها الأسواق في هذه الدول قد لا يكون واقعياً ومتوائماً مع حقيقة الوضع الاقتصادي داخل هذه التكتلات. هذه الشكوك حول ما يقوله حكام البنوك المركزية تأتي من التحرك البطيء لمستويات التضخم في أمريكا وعموم أوروبا وأيضا تراجع الدخل الفردي بالرغم من تقلص نسبة البطالة. الخلاصة أن حركة الاستهلاك داخل المنظومة الغربية لم ترتفع إلى المستوى الذي يستدعي رفعاً للفوائد من أجل السيطرة على الأسعار وبالتالي تشديد السياسات النقدية ستأتي عليه ردة الفعل ليس من قبل المستهلكين كما جرت العادة وإنما من قبل الأسواق المالية حيث ستترجم بشكل حقيقي العلاقة العكسية بين أسعار الأصول المالية ومستوى أسعار الفائدة.

أخيراً، سيشكل الصراع النفطي بين المنتجين التقليديين وشركات النفط الصخري الأمريكي ساحة جديدة للضغط على تقلبات الأسواق المالية العالمية والمقصود هنا بشكل أساسي اقتصادات وبورصات الدول الأعضاء في منظمة أوبك التي يبدو حتى الآن أنها قليلة الحيلة أمام التطورات الهائلة التي تشهدها صناعة النفط الصخري حيث يشير موقع worldoil.com في إحدى مقالاته أن عتبة الربحية (Breakeven point) في هذا القطاع تدنت إلى ما يقارب الـ35$ للبرميل الواحد كمعدل وسطي، وأنه من المرجح أن يستمر هذا الانخفاض نتيجة تراجع كلفة الاستثمار لدى العديد من الشركات التي أتمت مرحلة تجهيز منشآتها النفطية وبالتالي أصبح لديها القدرة التنافسية التي تمكنها من تحمل المستويات المتدنية لأسعار النفط دون الـ 40$ للبرميل الواحد.  المثل الصارخ لتداعيات هبوط النفط هو الأزمة الكبيرة التي تشهدها فنزويلا والتي ليس من المستبعد أن تمتد إلى دول أخرى تعتمد بشكل أساس على الرَيع النفطي.

إذن هذه هي بؤر التأزم المالي التي ستجذب المتداولين والمتابعين لحركة السوق في قادم الأيام ويبقى لنا التذكير السريع بما نشهده حالياً من تقلبات عنيفة جداً تشهدها أسعار العملات الإلكترونية والتدفقات الملحوظة لرؤوس الأموال للاستثمار في هذا النوع الجديد من الأدوات المالية.

نبذة عن الكاتب

[:ar]علي حيدر[:en]Ali Haidar [:]

بعد خبرته كمتداول لأكثر من 6 سنوات تمكّن علي من بناء خبرة معمّقة في حركة الأسواق الماليّة وآلية التداول بأصول مالية مختلفة. إلى جانب مسيرته المهنية، كان علي أستاذاً جامعياً يدرّس مقرّرات في مجال الإدارة المالية. قبل انضمامه إلى شركة أمانة كابيتال، عمل علي كأمين صندوق في بنك لبناني. وهو حائز على شهادتي ماجستير الاولى في اللإدارة الماليّة والثانية في إدارة الأعمال، يجذب إهتمام علي في هذا المجال الواسع تداول الخيارات، استراتيجيّات التحوّط والتحليل الأساسي.

مقالات ذات صلة

تابعونا @ Instagram

  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image